الثلاثاء، 5 يوليو، 2011

تميم البرغوثى.. الشهداء اولا


تميم البرغوثي
ما هى رتبة الضابط الذى صاح فى الناس عند السفارة الإسرائيلية «كُلُّه على رُكَبُه»؟ ما هى رتبة الضابط الذى صاح فى ميدان التحرير الأسبوع الماضى يسب شعب مصر كله بأمه، فيهين كل أم فى مصر بشرفها؟ ما هى رتبة الضابط الذى كان يرقص بسيفين فى نفس الميدان طربا على سقوط ألف جريح؟ ما هى رتبة المسئولين عن تعذيب الناس فى الأقبية ووضعهم فى زنازين كالعُلَب لا يستطيعون فيها الوقوف أو النوم؟ ما هى رتبة الذين يعلقون الناس من أرجلهم حتى يتجمع الدم فى رؤوسهم؟ ما هى رتبة القادة الذين أمروهم بهذا كله؟ ما هى رتبة من اشترى أدوات الصعق بالكهرباء وقنابل الغاز والرصاص المطاطى والمتفتت والرش؟ من الذى كتب التقارير ظلما فى العباد وأرشد الناس إليهم؟ ومن الذى أدار جهاز المعلومات ذاك ووجهه لإرعاب شعب كامل؟ من الذى فجر الكنائس ثم اتهم الناس زورا بتفجيرها ثم قتلهم من التعذيب؟ من الذى يأخذ الناس من بيوتهم ويقول لأمهاتهم: «سنرجعهم غدا صباحا» ثم لا يرجعون؟ من الذين قتلوا شهداء هذه الثورة؟ أعنى الذين صوبوا البندقية على عين الفتى الأعزل وهم آمنون على سطح بناية ما، ثم أطلقوا الرصاصة ثم تبسموا راضين من حسن تصويبهم وإتقان عملهم؟ من الذى كان على سطح البناية يرى تزاحم الشباب على الفتى الشهيد بعضهم يحمله وبعضهم ينظر إلى الأعلى ضاربا بيده على صدره ينادى قناصا لا يراه: «إضرب هنا، إضربنى أنا»، فيضربه ذلك القناص ويتبسم مرة أخرى لأن مهارته أثبتها التكرار؟ من الجنود الذين وقف أمامهم رجل فى الإسكندرية فاتحا صدر سترته يريهم أنه أعزل فقتلوه لأنه أعزل؟ هل من المعقول أن هذه كلها حالات فردية؟ أألف شهيد كلهم قتلوا فى حالات فردية؟ هل آلاف المفقودين والفاقدين خربت حياتهم وحياة أهلهم فى حالات فردية؟




●●●








أيها الناس، إن هذه الوزارة، وزارة الداخلية، أتعبت الجميع، ولا يكفى لإصلاحها أن يسن لها قانون أو أن يشرف عليها قاض أو يوضع لها وزير داخلية جيد. إن هؤلاء الضباط كبارهم وصغارهم الذين يشتمون الناس سيتآمرون حتى على رؤسائهم حتى يحافظوا على سلطتهم المطلقة فى القتل والتعذيب والترهيب. إنهم يعتقدون أنهم لن يستطيعوا التعامل مع الناس بدون «هيبة» والهيبة عندهم هى أن يخاف المواطن من الضابط، هم يظنون الشعب المصرى لا يحكم إلا بالخوف، فإن أمرهم وزيرهم بغير ذلك لم يطيعوه. ألم يعلن السيد وزير الداخلية منتصف الأسبوع الماضى أنه أمر قوات الأمن بالانسحاب من ميدان التحرير فى أول الليل، فلم ينسحب أحد منهم إلا عند ظهر اليوم التالى وبعد سقوط ألف جريح؟ فإن كان الوزير صادقا فعليه أن يقيل ثم يحاكم الضباط الذين عصوا أوامره، وإن لم يكن أصدر الأمر أصلا أو أصدر أمرا علنيا وآخر سريا فالمصيبة أعظم.




لا أمان لهؤلاء الناس بأعيانهم، أعنى أن المشكلة ليست فى هيكل المؤسسة فقط بل فى كل من هؤلاء الضباط بأشخاصهم الذين يحتقرون الناس ويعتبرون مطالبتهم بحقوقهم تبجحا يعاقبونهم عليه.




إنهم قوة احتلال، وككل قوة احتلال تحتقر الواقعين تحت الاحتلال ولا تراهم بشرا مساوين لها فى الآدمية. لم تكن هذه الوزارة أبدا مصدرا للأمن، قال مستشار رئيس الوزراء إن مستوى الجريمة فى مصر واحد قبل الثورة وبعدها أى فى وجود الشرطة وغيابها، لم يكن الأمن إلا أمنا سياسيا إذن، يعنى كان احتلالا.




إن الاحتلال الإسرائيلى فى فلسطين حين كان يقتل الأطفال كان يتذرع بالأمن ويسميهم بالمخربين، وكانت هناك فرق من الجيش الإسرائيلى، تسمى فرق المستعربين، تلبس اللباس المدنى لتهاجم المتظاهرين فيظهر الأمر على أنه شجار بين مدنيين لا مظاهرة سياسية ضد الاحتلال. ألا يذكركم هذا بالبلطجية فى شيء؟ يسمون المتظاهرين المطالبين بحقوقهم بلطجية كما كانت إسرائيل تسميهم بالمخربين، ويطلقون عليهم البلطجية الحقيقيين الموظفين عند أجهزة الأمن. ويقتلون الطفل الفلسطينى لهوا ثم لا يحاكمون قاتله فإن حاكموه غرموه قرشا واحدا ثمنا لحياة كاملة أهدرها ثم تراه فى الشارع يطلق النار من جديد ويسب الناس بأمهاتهم. ألا ترون الشبه؟




●●●








أيها الناس، إن الخلاف القائم بين القوى السياسة عن الدستور أولا أو الانتخابات أولا خلاف خطير على الجميع. بداخلية كهذه لو أجريت الانتخابات فإنها ستزوَّر ولو كتب الدستور فإنه سيُنتهك. لا بد من مبادرة يتبناها الجميع لتطهير هذه الوزارة، ولا أراها تطهر إلا ببناء وزارة جديدة من الأساس، فيقال كل من عذب إنسانابريئا كان أومدانا. ولا بد من نيابة مستقلة للشكاوى فى قضايا التعذيب، ولا بد من إلغاء كل أجهزة الأمن السياسى التى ورثت جهاز أمن الدولة المنحل وإقالة كل العاملين فيها أو إحالتهم على التقاعد. ولقد تقدمت جمعيات حقوقية عدة بمشاريع فى هذا الصدد. إن كانوا لا يطيعون وزيرهم فكيف نأمنهم، ليسحب سلاحهم وزيهم الرسمى الذى يظلمون به العباد.




سيستفيد من ذلك كل مصرى، سيستفيد منه الأخوان المسلمون والليبراليون والاشتراكيون والقوميون والمستقلون والباعة المتجولون وسائقو سيارات الأجرة والتجار والفلاحون والعمال والعاطلون، أبعد الثورة يسبون الناس بأمهاتهم ويرقصون بالسيوف على جراحهم ويسمونهم بلطجية وهم البلطجية؟




إننى أدعو أن تكون هذه الجمعة القادمة جمعة لتطهير الداخلية جمعة لضحاياها من شهداء وجرحى، بل إن كل من خاف من لجنة فى آخر الليل هو من ضحايا الداخلية لأنه لا يدفع الضرائب ليخاف بل ليأمن. كما أتمنى أن يشارك فيها كل الأطراف السياسية فى البلاد وعلى رأسهم من كان متشككا فى أهدافها، ليست هذه جمعة الدستور أولا ولا الانتخابات أولا، هذه جمعة الشهداء والجرحى جمعة تطهير الداخلية جمعة لنشعر بالأمان الحقيقى، فالمصرى يخاف من الشرطى أكثر من خوفه من اللص، بل إن أكبر اللصوص هم الذين كانوا فى حماية الأمن.

ليست هناك تعليقات: